البيهقى
يُعد الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (384هـ – 458هـ) أحد أعظم حفاظ الحديث وفقهاء الشافعية عبر التاريخ، وهو الذي قيل في حقّه كلمة الإمام الجويني الشهيرة: “ما من شافعي إلا وللشافعي عليه مِنّة إلا البيهقي، فإن المِنّة له على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه”. ولد في “خسروجرد” من قرى بيهق (بنيسابور)، وطاف البلاد في طلب العلم حتى صار أوحد زمانه في الإتقان والحفظ. تميز البيهقي بمنهجية علمية فريدة جمعت بين سعة الرواية (الحديث) ودقة الدراية (الفقه)، وكان شديد الورع، زاهداً في الدنيا، متبعاً لآثار السلف، مما جعله مرجعاً للأمة في إثبات صحة الأحاديث وعلو كعب السنة النبوية في مواجهة الأفكار الدخيلة.
تتجلى عبقرية البيهقي في مؤلفاته الموسوعية التي أصبحت أركاناً في المكتبة الإسلامية، وأبرزها “السنن الكبرى” الذي يُعد من أكبر كتب أحكام الحديث وأجمعها، وكتاب “دلائل النبوة” الذي فصّل فيه معجزات النبي ﷺ وسيرته بأسلوب حديثي رصين. كما وضع كتاب “شعب الإيمان” الذي يُعد مرجعاً فذاً في الأخلاق والتزكية، وكتاب “الأسماء والصفات” في العقيدة. تميزت كتبه بحسن الترتيب وبراعة التبويب وقوة الاستدلال، وكان لدفاعه عن مذهب الإمام الشافعي وتأصيله لأدلته الأثر الأكبر في استقرار المذهب وانتشاره. توفي الإمام البيهقي في نيسابور ونُقل جثمانه إلى مسقط رأسه، تاركاً خلفه ثروة معرفية جعلت منه “مُحدّث الفقهاء وفجيه المحدثين” بلا منازع.