جلال الدين المحلى

يُعد الإمام جلال الدين المَحَلّي (791هـ – 864هـ) أحد أكابر علماء الشافعية وأبرز عقول القرن التاسع الهجري في مصر، وهو العالم الذي لُقّب بـ “المُدقق” لنباهته المفرطة ودقته المتناهية في فهم النصوص. وُلد في القاهرة ونشأ بها، وعُرف بذكاءٍ وقّاد مكنّه من الغوص في أعقد المسائل الفقهية والأصولية وتلخيصها بعبارات وجيزة ومركزة. كان رضيّ النفس، عفيفاً، يعمل في التجارة ليعيش من كسب يده، مترفعاً عن المناصب الرسمية والقضاء رغم إلحاح السلاطين عليه. تميز بمنهج تعليمي فريد يركز على الكيف لا الكم، فكانت دروسه وكتبه مقصداً لطلبة العلم النابهين الذين يبحثون عن لبّ المعرفة بعيداً عن الحشو والتطويل، مما جعله مرجعاً أساسياً في تحقيق المذهب الشافعي.

تتجلى شهرة المحلّي التاريخية في كتابه الذي لا يكاد يخلو منه بيت مسلم، وهو “تفسير الجلالين”؛ حيث بدأ بتفسير القرآن الكريم من سورة الكهف إلى سورة الناس، ثم فسر الفاتحة وتوفي قبل إكماله، ليتمّه تلميذه جلال الدين السيوطي بنفس المنهج المختصر. كما ترك أثراً خالداً في علم أصول الفقه بكتابه “شرح جمع الجوامع”، الذي يُعد من أصعب وأدق الشروح الأصولية، بالإضافة إلى كتابه “شرح منهاج الطالبين” في الفقه الشافعي المعروف بـ “كنز الراغبين”. تميزت مؤلفاته بأنها “قليلة اللفظ كثيرة المعنى”، لدرجة أن العلماء قالوا إن ذهنه كان يثقب الألماس لشدة حدته. توفي في القاهرة مخلفاً إرثاً علمياً مباركاً صار ركيزةً للتعليم في الأزهر الشريف ومختلف المدارس الإسلامية في العالم.