الاستاذ مصطفى صبرى
يُعد العلامة مصطفى صبري أفندي (1869م – 1954م) آخر “شيخ للإسلام” في الدولة العثمانية وأحد أعظم المفكرين والمناظرين في القرن العشرين. ولد في مدينة “توكات” التركية، وتلقى تعليماً شرعياً مكثفاً حتى صار مدرساً في جامع السلطان محمد الفاتح وعضواً في مجلس المبعوثان (البرلمان). تميز بشخصية قيادية وعلمية صلبة، حيث وقف بحزم ضد التيارات العلمانية التي اجتاحت تركيا، مما اضطره للهجرة إلى مصر والاستقرار فيها. عُرف بدفاعه المستميت عن الخلافة الإسلامية وبقدرته الفائقة على نقد الفلسفات المادية والوضعية بأسلوب عقلي رصين، مما جعله مرجعاً فكرياً للأمة في مرحلة تاريخية عصيبة شهدت تحولات جذرية في هوية العالم الإسلامي.
تتجلى القيمة المعرفية لمصطفى صبري في موسوعته الفكرية الكبرى “موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين”، وهي عمل جبار يقع في أربعة مجلدات، فند فيه نظريات الإلحاد والحداثة المتطرفة بأسلوب فلسفي وعقدي عميق. كما ترك مؤلفات هامة مثل “مسألة ترجمة القرآن” التي ناقش فيها بطلان الصلاة بغير العربية، وكتاب “النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة”. تميزت كتاباته بالجزالة والقوة البرهانية، حيث كان يجمع بين التحقيق الشرعي والاطلاع الواسع على الفكر الغربي المعاصر. توفي في القاهرة ودُفن فيها، تاركاً خلفه إرثاً يمثل حصناً فكرياً للدفاع عن العقيدة الإسلامية، ويُعد اليوم من أهم المراجع في علم الكلام الحديث وفلسفة الدين.